انشغلَ العربُ بأحداث موقعة (مصر والجزائر) الكروية، التي بدأ دوران رحاها بالقاهرة، ثم انتقلت إلى الخرطوم، وانتهت في أنجولا، وتواصل انشغالُهم بفعاليات دورة كأس الأمم الأفريقية؛ ففات الكثيرين منهم أن يتابعوا حدثاً عالمياً مهماً استضافته إمارة أبوظبي، في الفترة من 19 إلى 22 يناير 2010، هو الاجتماعُ الدولي الثالث، على مستوى القمة، لمستقبل الطاقة بالعالم. وعلى أي حال، فلعل الحال لم يكن ليتغير كثيراً إن لم تقع تلك الأحداث المؤسفة، فالشأن البيئي – بعامة – يحتلُّ هامشاً ضئيلاً من اهتمامات مواطنينا، ويكاد يغيب عن أجندات الإدارات الرسمية، ويشرئب بعنقه – بالكاد – حين تحلُّ بنا نائبة، كسيلٍ يغرق فقراء مدننا، أو سحابة دخان تخنق أطفالنا، ليعود إلى الغياب حالّ تنسحبُ ذيولُ الكارثة، ويخفتُ الاهتمامُ الإعلامي بها.
دارت قمة أبو ظبي حول قضية بيئية مهمة، هي مستقبل الطاقة في العالم، واستهدفت كل فعالياتها الإجابة على سؤال لصيق بمستقبل الحياة على سطح الأرض، هو : هل يمكن انتشالُ العالم مما يتردَّى فيه الآن من أحوال مناخية منذرة بالسوء، بإيجاد مصادر بديلة للطاقة منخفضة الكربون، كوسيلة لإنقاذ الكون من مغبّاتِ احترارٍ كونيٍّ متزايد ؟. تحدَّث "محمد نشيد"، رئيس جزر المالديف، في الجلسة الافتتاحية، قال : (إن لم نتحرك الآن ستفنى شعابنا المرجانية وغاباتنا المطيرة، ولن تتحمل دول الصحراء ارتفاعاً إضافياً في درجة الحرارة، وستغرق الأراضي المنخفضة، كجزر المالديف، إذا ارتفع مستوى سطح البحر. إن معالجة مسألة تغير المناخ تختلف عن معالجة غيرها من المسائل، كالتجارة ونزع السلاح، فليس لدينا متسع من الوقت نقضيه في اجتماعات دورية، سنة بعد أخرى، وفي مفاوضات لا نهاية لها). وأدان "نجيب رزاق"، رئيس الوزراء الماليزي، المجتمع الدولي لفشله في اغتنام الفرصة في قمة كوبنهاجن، ولانحيازه إلى النفعية، بدلاً من القيام بما هو مطلوب منه.
اجتذبت تلك القمة مجموعة كبيرة من الشخصيات المؤثرة، المهتمة بقضايا تبدل أحوال المناخ الكوني، إلى جانب رجال الأعمال المشتغلين بالصناعات المتصلة بأنواع الطاقة الجديدة والمتجددة، فضلاً عن جمع من القادة السياسيين، من 120 دولة؛ وبلغ عدد من حضروا مختلف وقائع وفعاليات هذه القمة، على مدى أيامها الأربعة، 23 ألفاً، ما بين مشارك في حلقات النقاش، وزائر لمواقع العرض التي تجاوز عدد المعروضات بها 600 قطعة، جاءت من 50 دولة، وتوزعت على امتداد مساحة 40 ألف متر مربع، في معرض مدينة التكنولوجيا الفائقة بأبي ظبي، وهي مدينة مستقبلية لا تزال تحت الإنشاء، وبلغ ما أنفق عليها حتى الآن 2.2 بليون دولار.
وأينما اتجهت في هذه الإمارة-المدينة، أبو ظبي، التي يقل عدد مواطنيها عن مليون فرد (وإن كان يعيش بها أضعاف هذا العدد من الوافدين) تلاحقك حركة إنشاءات لا تهدأ، على مدار ساعات اليوم. وثمة شواهد عديدة تقول بأن هذه الإمارة، التي تمتلك 9% من احتياطات النفط المؤكدة، و 5% من مخزون العالم من الغاز الطبيعي، تعرفُ تماماً هدفها، ولا تبدد ثروتها، ولديها خططٌ طموحٌ للتنمية، تستهدفُ الاحتفاظ بأعلى قيمة من الناتج الإجمالي المحلي للفرد الواحد، على مستوى العالم.
ويعلمُ أولو الأمر في هذه الإمارة أن النفط أصبح بلا مستقبل، وأن عصره آخذٌ في الأفول، فحولوا وجهتهم إلى مصادر بديلة للطاقة، جديدة ومتجددة، واجتذبتهم تكنولوجياتها، فراحوا ينفقون جانباً من ثروات الإمارة الهائلة من أجل أن يحصلوا لبلدهم على مكان بين عمالقة العالم الذين يملكون كلمة الســر التي تفتح مغاليق تكنولوجيا الطاقة الجديدة وما يتصل بها من صناعات وليدة، يتسارعُ نموُّهـا؛ فهل يفلحون في الاحتفاظ بالسطوة والثروة اللتين وهبهما لهم النفط، بعد أن تجفَّ آبارُه ؟.
لقد أطلقت الإمارات، بالعام 2006، مبادرة (مصدر)، وهي عبارة عن شبكة مشروعات استثمارية ضخمة، في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي، تغطي العالم كله؛ وخلال أسبوع انعقاد القمة، أعلنت (مصدر) عن مشروع مشترك مع مجموعة (سنير) الهندسية الإسبانية، لتصميم وبناء وتشغيل محطات توليد الطاقة الشمسية في مواقع متعددة بالعالم، ، وسيبدأ المشروع ببناء محطة توليد طاقة شمسية حرارية، بقدرة 150 ميجا وات، وبتكلفة مقدارها 1.2 بليون دولار، في جنوب أسبانيا. وقد سبق لـ (مصدر) أن أنشأت مصنعاً بألمانيا، بتكلفة 600 مليون دولار، لتصنيع مكونات أساسية دقيقة لتشغيل محطات توليد الطاقة الشمسية؛ والمنتظر أن يقام مصنع آخر، شبيه بالمصنع الألماني، في الإمارات. كما اشترت (مصدر) 20% من (منظومة لندن)، وهو مشروع لتوليد الطاقة من الرياح، يتكلف 2.8 بليون دولار، ويستهدفُ بناء أكبر (مزرعة رياح) في العالم، على بعد 20 كم أمام سواحل (كِنت) و (إسيكس) في بريطانيا، لتوليد طاقة إجمالها ألف ميجا وات؛ والمنتظر أن يكتمل هذا المشروع الفريد بالعام 2015.
وتشمل خطط (مصدر) المستقبلية خطوات نحو تخفيض نصيب أبو ظبي من الانبعاثات الغازية المسببة للاحترار الكوني، وفي مقدمتها غاز ثاني أكسيد الكربون، فتبني شبكة وطنية لتصيّد، أو احتجاز الكربون، وتخزينه. والمنتظر أن تمتص هذه الشبكة، بحلول عام 2013، نحو 6.5 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون الناتج من محطات توليد الكهرباء والمنشآت الصناعية في أبو ظبي. وسوف تستغل هذه الكمية من الغازات الكربونية استغلالاً اقتصادياً، إذ سيجري حقنها في مكامن النفط، لتعزيز قدرات استخلاصه.
من ناحية أخرى، يجري الآن العمل لافتتاح المرحلة الأولى من مدينة (مصدر)، في سبتمبر من هذا العام، وهي مدينة نموذجية، تتسع لخمسين ألف شخص، وتعتمد على الطاقة الشمسية، ولا تنتج انبعاثات غازية ضارة، ولا يتخلف عن الحياة فيها أي نفايات، فهي مثال لمدن المستقبل المستدامة؛ وتبلغ تكاليف إنشائها 22 بليون دولار؛ وتبلغ مساحتها 6 كيلومترات مربعة؛ وستكون مقراً لمعهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، وهو مركز أبحاث أكاديمي، يهدف إلى اجتذاب ألمع العقول في مجال تكنولوجيا الطاقة المتجددة للعمل به؛ ويتمتع المنتسبون له بمنح سخية. وبالرغم من أن المرحلة الأولى من المدينة لم ينته العمل بها، إلاَّ أن معهد العلوم والتكنولوجيا قد استقبل 88 طالب دراسات عليا من 22 دولة، بدأوا أبحاثهم ودراساتهم في منشآت مؤقتة.
إنها محاولة جريئة من أبو ظبي للتحول إلى لاعب رئيسي في ساحة تكنولوجيا الطاقة المتطورة واحتجاز الكربون وتخزينه، بعد أن لعبت دوراً مؤثراً في رسم سياسات النفط، الذي اكتشفت آبارُه بها في العام 1962. ويتولَّدُ لدى المراقبين انطباعٌ بأن تلك الإمارة في عجلة من أمرها، وتريد اكتساب ميزة أول من يحرك قطع الشطرنج في هذه السوق الجديدة المنتعشة؛ وترمي إلى استخدام نفوذها الاقتصادي لتسريع عمليات تسويق واعتماد مصادر الطاقة المتجددة. ولقد توفر لأبوظبي عاملان أساسيان للنجاح في قطاع الطاقة الجديدة، هما الاستثمارات الضخمة، واتساع الأفق. ويدفع هذا النجاح، أيضاً، ازدياد الطلب على النفط والغاز بالوقت الراهن، والمتوقع أن يزداد أكثر في السنوات القادمة، الأمر الذي يعني تدفق المزيد من العائدات، يصبُّ جزءٌ منها في عملية خلق مستقبل للتكنولوجيا الفائقة في تلك الإمارة الخليجية، التي لم تكن قد أصبحت دولة قبل العام 1971 !.
الاستاذ رجب سعد السيد كاتب وباحث مصري مهم في شئون البيئة والعلم.